صديق الحسيني القنوجي البخاري

25

فتح البيان في مقاصد القرآن

أقلت الإبل ، كانوا يستحسنون الخشبة أو العمود ، فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ، ويخرب المؤمنون بالمقاتلة ، وقال أبو عمرو : بأيديهم في تركهم لها وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها ، والجملة مستأنفة لبيان ما فعلوه ، أو في محل نصب على الحال . فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي اتعظوا وتدبروا ، وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر ، قال الواحدي : ومعنى الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها ، قال النسفي : وهو دليل على جواز القياس انتهى . والاعتبار مأخوذ من العبور ، والمجاوزة من شيء إلى شيء ، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد ، وسمي علم التعبير لأن صاحبه ينقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره ، ولهذا قال القشيري : الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر . وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي الخروج من أوطانهم على ذلك الوجه مع الأهل والولد ، وقضى به عليهم لَعَذَّبَهُمْ بالقتل والسبي فِي الدُّنْيا كما فعل ببني قريظة ، والجلاء مفارقة الوطن ، يقال : جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء ، والفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما في الابعاد واحدا - من جهتين إحداهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد ، الثاني أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة والإخراج يكون لجماعة ولواحد كذا قال الماوردي . وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ مستأنفة غير متعلقة بجواب لولا ، متضمنة لبيان ما يحصل لهم في الآخرة من العذاب ، وإن نجوا من عذاب الدنيا . ذلِكَ أي ما تقدم ذكره من الجلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي بسبب المشاقة منهم للّه ولرسوله لعدم الطاعة والميل مع الكفار ونقض العهد وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ اقتصر ههنا على مشاقة اللّه لأن مشاقته شاقة لرسوله قرأ الجمهور يُشَاقِّ بالإدغام وقرىء يشاقق بالفك . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 5 إلى 7 ] ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 7 )